عدم ذكر البيهقي لزيادة لفظ (عمدًا) في كتاب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم. د. عادل الحارثي. جامعة الطائف.
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلهِ وصحبهِ ومن والاهُ. أما بعدُ: فقد وردني إشكالٌ من الدكتورِ عادلٍ الحارثيِّ من جامعةِ الطَّائفِ، حول عدمِ ذكرِ البيهقيِّ لزيادةِ لفظِ (عمدًا) في كتابِ أهلِ الجزيرةِ إلى عبدِ الرحمنِ بنِ غنمٍ، وهو الكتابُ الذي تضمَّن زيادةَ عمرَ رضي اللهُ عنهُ في الشروطِ: «ومن ضربَ مسلمًا [عمدًا] فقد خلعَ عهدَهُ». فأقولُ، وباللهِ التوفيقُ: إنَّ هذا الكتابَ أخرجَهُ الخلَّالُ (311هـ)، وهو أقدمُ ما وقفتُ عليهِ من أصولِ هذه الزيادةِ، في كتابِهِ "أحكامِ أهلِ المللِ"، فقالَ: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قالَ: حدَّثني أبي، قالَ: حدَّثني عمي أبو اليمانِ، وأبو المغيرةِ جميعًا، قالا: أخبرنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، قالَ: حدَّثنا غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ، قالوا: كتبَ أهلُ الجزيرةِ إلى عبدِ الرحمنِ بنِ غنمٍ: «إنَّا حينَ قدمتَ بلادَنا طلبنا إليكَ الأمانَ لأنفسِنا وأهلِ ملَّتِنا». وفيهِ: «أمضِ لهم ما سألوا، وألحقْ فيهم حرفينِ اشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسِهم: ألَّا يشتروا من سبايانا شيئًا، ومن ضربَ مسلمًا عمدًا فقد خلعَ عهدَهُ». وأخرجَهُ ابنُ زَبْرٍ الرَّبَعيُّ (329هـ) في "جزءٍ فيهِ شروطُ النصارى"، فقالَ: نا عبدُ الدائمِ، نا محمدُ بنُ الهيثمِ، ثنا أبو الأحوصِ محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ عياشٍ، ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عبدِ اللهِ، ثنا أبو المغيرةِ عبدُ القدوسِ بنُ الحجاجِ الحمصيُّ، حدَّثني أبي، أنَّ هذا كتابٌ من عياضِ بنِ غنمٍ لذمَّةِ حمصَ... وفيهِ: وزادَهم عمرُ بنُ الخطابِ رضي اللهُ عنهُ، فكتبَ عمرُ في الكتابِ: «ألَّا يشتروا من سبينا شيئًا، ومن ضربَ مسلمًا عمدًا فقد خلعَ عهدَهُ». انظر شروطُ النصارى (ص 26، 27، رقم 13). قلتُ: وهكذا روى محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ عياشٍ هذا الخبرَ عن أبيهِ، وفيهِ إثباتُ لفظِ (عمدًا)، مما يدلُّ على اختلافِ طرقِ الروايةِ. وإسماعيلُ بنُ عياشٍ صدوقٌ في روايتِهِ عن الشاميينَ، إلا أنَّ قولَهُ: «حدَّثنا غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ» فيهِ إبهامٌ؛ فلا تقومُ بهِ حجَّةٌ من جهةِ الصناعةِ الحديثيَّةِ. وقد روى هذا الخبرَ عن إسماعيلِ بنِ عياشٍ ثلاثةٌ: ابنُهُ محمدُ بنُ إسماعيلَ، وأبو اليمانِ الحكمُ بنُ نافعٍ الحمصيُّ، وعبدُ القدوسِ بنُ الحجاجِ الخولانيُّ الحمصيُّ، أبو المغيرةِ. وأخرجَهُ البيهقيُّ (ت 458هـ) من وجهٍ آخرَ، فقالَ: أخبرنا أبو طاهرٍ الفقيهُ، أخبرنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ سختويه، حدَّثنا أبو بكرٍ يعقوبُ بنُ يوسفَ المطوِّعيُّ، حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا يحيى بنُ أبي العيزارِ، عن سفيانَ الثوريِّ والوليدِ بنِ نوحٍ والسَّريِّ بنِ ثعلبٍ، عن طلحةَ بنِ مصرفٍ، عن مسروقٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غنمٍ قالَ: كتبتُ لعمرَ بنِ الخطابِ حينَ صالحَ أهلَ الشامِ: «بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذا كتابٌ لعبدِ اللهِ عمرَ أميرِ المؤمنينَ من نصارى مدينةِ كذا وكذا». وفيهِ: «فلما أتيتُ عمرَ بالكتابِ زادَ فيهِ: وألَّا نضربَ أحدًا من المسلمينَ، شرطنا لهم ذلكَ على أنفسِنا وأهلِ ملَّتِنا» . انظر السننُ الكبرى (19/66، رقم 18751) بتحقيقِ التركيِّ. وهذهِ الروايةُ ليستْ فيها الزيادةُ محلُّ البحثِ. وبعدَ استقراءِ المصادرِ المسندةِ المطبوعةِ التي وقفتُ عليها: لا أعرفُ لهذهِ الزيادةِ إسنادًا مسندًا غيرَ ما تقدَّمَ. وقد نقلَ هذهِ الزيادةَ: ابنُ قدامةَ في "المغني"، وابنُ تيميةَ في "الصارمِ المسلولِ"، "واقتضاءِ الصراطِ المستقيمِ"، وابنُ القيمِ في "أحكامِ أهلِ الذمَّةِ"، والمرداويُّ في "الإنصافِ"، والبُهوتيُّ في "كشافِ القناعِ"، ومن بعدَهم من فقهاءِ الحنابلةِ، وغيرِهم. وجميعُهم - فيما يظهرُ - عيالٌ على روايةِ الخلَّالِ. والخبرُ - على طريقةِ أهلِ الأخبارِ والتاريخِ - مشهورٌ متداولٌ، والكتابُ وثيقةٌ معتبرةٌ عند كثيرٍ من المؤرِّخينَ. وأما الزِّيادةُ، فهي مقبولةٌ عند طائفةٍ من الفقهاءِ؛ لأنَّ النَّص بدونها يقتضيها؛ لما ترتبَ فيه من عُقوبة لا تكون إلا عن عمد؛ ولشهرةِ الكتابِ وتداولِهِ، واللهُ أعلمُ. وكتبَ/ يحيى الشهريُّ ثم البكريُّ، عقيبَ صلاةِ الجمعةِ، السابعَ عشرَ من صفرٍ، سنةَ، 1448هـ. والله أعلم.


التعليقات
شارك بتعليقك، وستتم مراجعته قبل ظهوره للزوار.